يُعقد في مدينة مرسيليا من ٧– ١٢ تموز، المهرجان الدولي للسينما الوثائقية في دورته السابعة والثلاثين.
اختار المهرجان أن يخصص جزءاً هاماً من برنامجه لفلسطين والعالم العربي في سياق مرحلة اتسمت بحرب الإبادة في غزة المستمرة منذ ثلاث سنوات، وباستمرار احتلال فلسطين و سياسة الأرض المحروقة في لبنان كما واحتلال أراضٍ سورية جديدة.
نحن نرفض في هذا السياق، إصرار المهرجانات، من خلال دعوات ضيوفهم أو برامجهم، على الموازاة بين الإنتاج الفلسطيني من جهة والإسرائيلي من جهة أخرى، كما نرفض اصطناع اللقاءات وتطبيع الإنتاجات.
لم ترغب إدارة المهرجان « بسبب ضيق الوقت » الاستماع إلى وجهة نظر السينمائيين والمنتٍجات والمنتجين والمدعوات والمدعويين.
البرمجة، أية برمجة تحمل رؤية للعالم، هي بمثابة تعبير سياسي شاءت أم لم تشأ. السرديات الفلسطينية وأرشيف النضالات العربية وذاكرة الشعوب المُستَعمَرة لا يمكن توظيفها كمجرد إشارات بسيطة للانفتاح ولراحة الضمائر.
الشجاعة السياسية لمهرجان ما لا تُقاس بعدد الأفلام المبرمجة، وإنما بالقدرة على اتخاذ موقف جدي من العلاقة بالسلطة. ونحن بإسم هذه المسؤولية سنتابع رفض كل أشكال التطبيع التي تضع على قدم المساواة الشعب المُحتل ومن قام بإحتلاله.
أن تضع على قدم المساواة وفي نفس الأهمية السرديتين الفلسطينية والاسرائيلية كما لو كانتا متعادلتين، يلغي بالتحديد هذه العلاقة مع السلطة، مع التاريخ ومع الظروف الموضوعية والمادية التي ظهرت منها هذه السرديات. هذه الموازاة تؤكد مساواة كاذبة في المواقف.
منذ عقود، تأخذ المؤسسات الثقافية الأوروبية على عاتقها مهمة خلق فضاءات حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين باسم التعايش والتفاهم المتبادل
هذه اللقاءات التي تُقدًم تحت عناوين المبادرات الفنية، تغسل » حمام الدم » ولا تتطرق للعلاقة الكولونيالية بين الطرفين.
منذ أجيال، يقاوم الفنانون الفلسطينيون والعرب هذه الوسائل التي تمارسها على نطاق واسع السياسات الأورو– شرق أوسطية منذ مؤتمر برشلونة عام ١٩٩٥
ما رفضنا الموافقة عليه في المهرجان الدولي للأفلام الوثائقية يندرج في خط المقاومة ذاته.
موقفنا يتبنى القواعد الواضحة للمقاطعة الثقافية التي يحرص عليها المجتمع المدني الفلسطيني، وهي مقاطعة لا تتطرق إلى المحتوى الفني للمشروع وإنما إلى ظروف إنتاجه وتمويله
تتَّبع إسرائيل منذ سنوات، استراتيجية لتلميع صورتها الدولية و توظيف الثقافة كوسيلة إعلامية. وهكذا فإن تمويل الأصوات المعارضة يعتبر جزء من هذه الاستراتيجية: مثل السماح لفنانينها الذين يملكون رؤية نقدية بالتجوال عبر هذه الفضاءات الثقافية الأوروبية بهدف الحفاظ على صورة الديموقراطية الحية » طالما أن هذه الأصوات لا تتعرض للمشروع الصهيوني ذاته ».
عندما يرفض المسحوقون أن يتشاركوا نفس الفضاء مع ممثلي الدولة التي تسحقهم، غالباً ما يُقدًم الطرف المسيطر كضحية للمقاطعة. قلب الأدوار بهذه الصورة، ليس حادثة عابرة إنما هو تصرف يهدف إلى نزع المصداقية عن فعل المقاومة للتطبيع
مرة أخرى، يتم تحويل الحوار حول فلسطين إلى شكل من حرية التعبير، ويُصبح على الفلسطينيبن تبرير موقفهم الرافض عوضاً عن الاستماع إليهم.
.لن يكون الوضع كذلك في دورة المهرجان لهذا العام، وهذه خطوة هامة تمكنا من تحقيقها
في فرنسا، لطالما تعرضت الأصوات الفلسطينية وأنشطة التضامن مع فلسطين إلى قمع تزداد حدته يوماً بعد يوم : اتهامات بمحاباة الإرهاب، ملاحقات، منع التظاهر، تضييق إعلامي وثقافي. في الوقت نفسه يتمتع فنانون اسرائيليون معارضون لمجتمعهم بتغطية اعلامية هامة. لماذا إذن تبدو فرنسا مستعدة لسماع النقد الموجه ضد اسرائيل عندما يقوم به إسرائيلي وليس الى النقد الذي يوجهه أولئك الذين يتعرضون للإبادة ؟ لاتزال المؤسسات الثقافية الفرنسية مستمرة بفرض تراتبية على الكلام المشروع وتحدد من أي موقع ومن الذي يمكن له الحديث عن فلسطين.
المؤسسات الثقافية الأوروبية، التي تقدًِم التبادل الثقافي وحرية التعبير كقيمٍ مطلقة لها الأولوية في كل الظروف، لا تتردد بإعتبار أي رفض للحوار هو مشكلة أساسية. وعلى هذا فإن احتكار الحق بتحديد قواعد اللقاءات وتوقيتها وشروطها يرتكز على ايديولوجية أورومركزية
أولويتنا اليوم ليست إنتاج صور للتعايش وإنما التحرك ضد واقع كولونيالي وابادة جلية
.المقاطعة الثقافية هي الوسيلة الأكثر تعبيراً عن التضامن